الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
243
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ونبئت قيسا ولم أبله * كما زعموا خير أهل اليمن غضب قيس وقال له : « وما هو إلا الزعم » . ولأجل ما يصاحب الزعم من توهم قائله صدق ما قاله ألحق فعل زعم بأفعال الظن فنصب مفعولين . وليس كثيرا في كلامهم ، ومنه قول أبي ذؤيب : فإن تزعميني كنت أجهل فيكم * فإني شريت الحلم بعدك بالجهل ومن شواهد النحو قول أبي أمية أوس الحنفي : زعمتني شيخا ولست بشيخ * إنما الشيخ من يدبّ دبيبا والأكثر أن يقع بعد فعل الزعم ( أنّ ) المفتوحة المشددة أو المخففة مثل التي في هذه الآية فيسد المصدر المنسبك مسدّ المفعولين . والتقدير : زعم الذين كفروا انتفاء بعثهم . وتقدم الكلام على فعل الزعم في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الآية في سورة النساء [ 60 ] ، وقوله : ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في سورة الأنعام [ 22 ] وما ذكرته هنا أوفى . والمراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا هنا المشركون من أهل مكة ومن على دينهم . واجتلاب حرف لَنْ لتأكيد النفي فكانوا موقنين بانتفاء البعث . ولذلك جيء إبطال زعمهم مؤكّدا بالقسم لينقض نفيهم بأشد منه ، فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأن يبلغهم عن اللّه أن البعث واقع وخاطبهم بذلك تسجيلا عليهم أن لا يقولوا ما بلغناه ذلك . وجملة قُلْ بَلى معترضة بين جملة زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجملة فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ التغابن : 8 ] . وحرف بَلى حرف جواب للإبطال خاص بجواب الكلام المنفي لإبطاله . وجملة ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ارتقاء في الإبطال . و ثُمَّ للتراخي الرتبي فإن إنباءهم بما عملوا أهم من إثبات البعث إذ هو العلة للبعث . والإنباء : الإخبار ، وإنباؤهم بما عملوا كناية عن محاسبتهم عليه وجزائهم عما